دينا الدخس تكتب: قبل أن تخدع ذاتك

بين الفينة والأخرى ، أصاب بالإحباط كحال كل من يحاول أن يحدث تغييراً ، أن يبدع و ينفث الريح فى المياه الراكده علها تكشف عما يختبئ أسفلها.

تعودت أن أتصادم بشكل مستمر مع أفكارى و ألا أتشبث بقناعة ما طوال الوقت،فالهدف هو تحرى الصواب لا التمسك بفكرة ما من باب العند والكبر، لذلك يعمل عقلى بشكل مستمر حتى يجهد تماماً و يتوقف فجأة!

وبما أننى لا أستسلم عادة لحالة الركود تلك قررت أن أكتب ثانية و أن أقوم برمى الجمرات على تلك البالوعات علّها تنغلق، لأن عملية تطهيرها تبدو كمهمة مستحيلة إن لم يتكاتف الجميع و بما أن الجمع قد اتفق على التناحر و وضع الأقفال الصدئة على العقول، إذن فلنحاول أن نقوم بخنق تلك البالوعات بأكبر عدد ممكن من الجمرات.

لقد أثبت ؛على مدار الأعوام التى تواجدت فيها على البسيطة، فشلى فى خداع الذات و الذى يقوم به الكثيرون بمنتهى الاحتراف حتى يبلغ بهم الأمر إلى تصديق تلك الخدعة بل و ينغمسون فيها حتى تتحول إلى حقيقة.

لم أتمكن من التأقلم، واستأنفت رحلة التصادم حتى اللحظة التى أخط فيها تلك الكلمات، كما اكتسبت الشجاعة كى أعبر عن ذاتى فأعترف بأننى شخص انطوائى، حتى وإن بدا العكس ؛نظراً للقدرات التى نكتسبها مع الزمن.

أكره المكالمات الهاتفية بل أستشيط غضباً عند سماع جرس الهاتف، ترهقنى الأنشطة الاجتماعية كثيراً حتى أننى قد أصاب بالإعياء من وقت لآخر لذلك أهوى الانفراد بذاتى حتى أشحن طاقتى من جديد. كما واجهت صعوبات شديدة فى التعبير عن مشاعرى بالكلام، و كانت الكتابة أفضل وسيلة لى، و الرسم الوسيلة المشفرة لروحى المنسلخة من تلك الرتابة التى يغرق فيها الجميع، بيد أننى مازلت أتمرن على مواجهة الابتزاز العاطفى الذى يزج بنا إلى الهوة المظلمة التى نحارب من أجل الهروب منها فى معاناة مستمرة لا تنتهى.

ربما لم يكن هناك داعٍّ لتلك المقدمة و لكنى أظن أنه كلما وُجِد الرابط بين الكاتب و القارئ و استطاع القارئ أن يشعر بأن الكاتب مثله، يعانى مما يعانى منه و يعيش مشكلاته و قضاياه و لا يكتفى بالجلوس فى برجه العاجى ،يراقب الجميع من أعلى نقطة دون أن يمتزج فعلياً معهم، كلما تيسر على الكاتب إيصال فكرته إلى رفيقه القارئ.

فلننتقل الآن إلى الموضوع الذي أود أن أكتب عنه اليوم.

من يمعن التأمل فى أحوال مجتمعنا ويقف موقف الصادق الأمين مع ذاته و لا يهوى الإنكار الذى يتحول مع الوقت إلى حقيقة مزيفة ، سيجد أن المجتمع مهترئ و أن الأسر ليست بالسعادة التى تجتهد فى تصديرها و لست من هواة التعميم و لكن لأكون صادقة فالكثير منها لسان حاله كمن يقف على فتحة بركان منتظراً لحظة الانفجار.

و سأتحدث خصيصاً عن الأزواج. و عن عقلية الرجل التى رغم وصولها إلى هذا القرن مازالت متحجرة ، متغطرسة و فوقية. و ليعترض من يعترض و يحتج من يحتج فأنا لن أجامل أحداً و لن أكذب على نفسى إرضاءً لأحد.

أنا لا أعادى الرجل و لكن أعادى الأفكار المقيتة التى إلى حد كبير قد انتقلت إليه بالتوريث، تماماً كحال الكثير من التفاسير الخاطئة لتعاليم الأديان، فالذكورية جاهدت بلىِّ الحقائق و التعامل مع المرأة على أنها مخلوق أدنى من الرجل، و أنا على يقين تام بعدالة الله و رحمته، فهو لن يخلق نوعاً ليعانى التنمر من الآخر.

أجد بعض الأزواج يتعاملون من مبدأ الإله الذى يجب أن تطيعه زوجته بل و تسجد له إن لزم الأمر وأنها إن عصته فإن الله سيحاسبها حساباً عسيراً، فينظر إليها مشفقاً عليها من مصيرها المشؤوم!، لا يقدر ما تقوم به من أجله و يتعامل معه كحق مكتسب، رغم أن بعض النساء يقمن بإدارة شئون أزواجهن و يقمن بالكثير من الأمور التى لا تندرج تحت نطاق دورهن الذى خص الله به المرأة و ليس الذى يلقيه المجتمع على عاتقها.

ولا أفهم حقيقة كيف إلى اليوم نتحدث فى هذا الأمر، و كيف أن بعض النساء يساهمن بشكل كبير فى تمادى الرجل فى أفعاله تلك. فلدينا فقط الرجل يخطئ لأنه رجل و يتناسى المجتمع بأن الخطيئة عقوبتها واحدة على الجنسين أمام الله.

و هناك جيلان على الأخص يعانى أبناءهما من مشاكل متعلقة بالأبوة و بالرمز الذكورى فى حياتهم. فعندما لا يحترم الزوج زوجته، عندما يقلل من شأنها ، و عندما يسئ التحدث عنها و يتعامل معها كخادمة يجب ان تدور فى فلكه، فهو بذلك لا يحدث مجرد شرخاً فى نفس أبنائه، بل يتسبب فى صدمة نفسية هائلة تحطم الكثير بداخلهم ، فينتج عنها إما نسخ مقيتة منه تتسبب فى شقاء إناث أخرى أو أشخاص بنفوس مشوهة،تتعامل مع الحياة انطلاقاً من تلك التشوهات التى تمكنت منها، و القليل ممن يتمكن من الانسلاخ من هذا الوضع المأسوى و يقرر أن يتمرد و يخلق لنفسه حياة تناسبه و تريحه.

إن كان الهدف من الإنجاب أن تجلب إلى الحياة نسخاً منك فلن يكون هناك الفنان أو العالم أو القائد الذى يمتلك الشجاعة و الدهاء على إحداث التغيير، لن يكون هناك المفكر أو الفيلسوف أو البطل.

إن كان الإنجاب يعنى امتلاكك لمن تنجب فوقتها سيكون الهدف من الحياة هو استعباد أجيال لأجيال الأخرى و هذه ليست بالحقيقة.لقد كتبتها من قبل و اكتبها ثانية، الأبناء ودائع لدى الآباء و الأمهات،و الحياة تسير فى صالح الجيل الجديد، مطالب هو باحترام الجيل الأسبق و لكنه ليس مطالب بالإنصياع، و لم يخلق الجميع ليتكيف مع نفس نوع الحياة، فإن ناسبتك حياتك فليس بالضرورة أن تناسب خلفك.

والحقيقة أن المصالح السياسية والمجتمعية تدخلت منذ قديم الأزل فى تشويه العديد من الأمور، و اتخيل الدهشة مرسومة على الوجوه من هول الصدمة التى ستنزل عليها بسبب كم الأشياء التى أخطأنا فهمها ورؤيتها و التعامل معها،عندما تنتهى تلك الحياة و نعود جميعاً أدراجنا إلى الأصل الأول.

تذكر يا عزيزى أن الأمان ليس شخص، الأمان تصنعه بيدك من داخلك و هذا ليس مجرد كلام مجذوب، و أن سر النجاح ليس عويصاً و لكن العطن المتأصل فى الجذور و الصدأ المتشبث بالعقول يجعله يقارب المستحيل.

ويحضرنى هنا كلام النجم العالمى ويل سميث عندما تحدث عن زواجه الذي استمر لمدة عشرين سنة استمراراً حقيقياً لا مزيفاً، بأن السر فى أن يدرك الطرفان أنهما اثنان لا واحد. لكل منهما حياته، و رحلته، و طموحاته و نجاحاته، وأنه كلما بذل كل منهما المزيد من الجهد تجاه ذاته وعمل على تحسينها وإسعادها، انعكس ذلك على علاقته بالطرف الآخر، فالحب ليس امتلاك و استحواذ و لكنه شراكة بين اثنين بحياتين مختلفتين قررا أن يتعاونا على بناء حياة ثالثة مشتركة فلا شطبت الأخيرة الحياتين السابقتين و لا طغت إحداهما على الأخرى.

 

 
لكل من ترغب في مشاركة الخواطر أو المقالات برجاء التواصل معنا عبر بريد الكتروني: [email protected]

التعليقات