رباب كمال تكتب: قراءة في بيان الأزهر.. التحرش نموذجًا

نشب خلاف بين الأزهر و الموقع العالمي للفتوى الإليكترونية ( التابع للأزهر ) حول بيان التحرش، فالبيان الأول الذي أصدره الأزهر يرى أن ملابس المرأة ليست مبررًا للتحرش و الموقع الاليكتروني للفتوى يرى أن ملابس الفتاة لا تخلو من المسئولية، وقد تم حذف البيان الأخير من على الموقع.
ولنا هنا عدة ملاحظات على القضية

1- مفردات الأزهر الرسمية تغيرت بالفعل إزاء قضية التحرش ، وأقول هنا " مفردات " و ليس " خطاب " وذلك لضبط المصطلحات ، ولدينا عدة نماذج على هذا التغير

اقترح الأزهر عام 1978 من خلال مشروع الدستور الإسلامي أن ينص الدستور الإسلامي على مادة تفرض على المرأة الزي الشرعي وتحرم التبرج .
و في عام 1997 حين قام الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى بالرد على سؤال عن التحرش فقال أن المقصرة في الاحتشام ُتعرض نفسها للتحرش.
وفي عام 2013 صدر عن الأزهر وثيقة المرأة والتي تطورت فيها المفردات أكثر ، فجاء في المحور السادس بالبيان أن الأزهر يرفض التعرض للفتيات ، لكنه بعد عدة سطور تحدث و شدد على الزي الشرعي الذي لا يظهر إلا الكف و الوجه
أما في 2018 صدر البيان الذي قال فيه أن الملابس لا تبرر التحرش. وهنا تعالت الأصوات عن تجديد الأزهر لخطابه الديني و هذا ينقلنا للنقطة الثانية..

2- تغيير الخطاب ليس بالضرورة تجديد خطاب، فالأزهر قام بتغيير خطابه على مدى سنوات في قضايا عدة كان يرفض مباركتها من قبل ، و هذا إن دل على شيء فهو يدل على أن الحراك الإجتماعي و الحقوقي أثر بالفعل في خطاب الأزهر الرسمي .. فالأزهر طالب بالزعي الشرعي في 1978 ، وحمل المرأة مسئوية التحرش في 1997 ، و في 2013 رفض التحرش وفي عبارة منفصلة حث على الزي الإسلامي ، ومن ثم قال أن الملابس ليست مبررًا للتحرش في 2018.
ولابد أن يتم دراسة هذه التواريخ ، خاصة أن اقتراح الدستور الاسلامي جاء في خضم الصحوة الاسلامية عام 1978 ، وعلينا أن ندرك أن ما جاء في 2018 على لسان الأزهر برفض تحميل الفتاة المسئولية جاء في إطار تطور مجتمعي شهدناه في السنوات الماضية ، لا لم تختف الأصولية ، و لكن المكون الجديد هو أن بعض الفتيات من خلال السوشيال ميديا أصبح صوتهن أعلى، فرفضن تحمل مسئولية التحرش وأصبحن يواجهن الصور النمطية ، حتى وإن كنّ من الأقلية إلا أن صوتهم كان صوتًا عاليا مطالبا بالحق في الحياة و الحرية دون استباحة .

3- الأزهر في بيانه الصادر بشكل رسمي عام 2018 يسعى لتحسين صورته عالميا خاصة بعدما انتشرت تقارير عن الوضع السيء للمرأة في القاهرة تحديدا وبعدما واجه الأزهر أقلام النقاد في قضايا حقوقية أخرى.
4- الخلاف الذي نشب بين الأزهر و موقع الفتوى التابع للأزهر يكشف لنا النقاب عن الصراع بين دوائر مختلفة داخل المنظومة ، فهناك دائرة تسعى لخطاب دبلوماسي مداهن و الدائرة الأخرى ترى أنه لا مجال لخطاب ديني مداهن للحقوقيين و المناديات بالحرية . و الانتصار جاء للأقوى نفوذا داخل الأزهر و لم يأت انتصارات للحريات بالضرورة
.
5- لابد أن تنتبه النسويات للمفردات اللاتي يستخدمونها وهن ينشرن خبر انتصار الأزهر للمرأة . فبعض الحقوقيات صرحن بأن " السلطة الأعلى للمسلمين السنة " انتصرت للمرأة ، كما تم ترجمة هذه العبارة بعدة لغات وهنا عدة إشكاليات أخرى
أن تجريم التحرش مسأله لا تنتظر سلطة دينية و على الجمعيات فهم هذه الآلية لأن سلاح المؤسسات الدينية له حد آخر
الاستناد للأزهر(المؤسسة الحكومية الدينية الرسمية ) في بيان التحرش كونه السلطة الأعلى للمسلمين السنة ، يضع الحقوق في مشكلة، لماذا؟ لأن هذا ُيعد إقرارًا بالتصالح مع توجهات الأزهر في قضايا حقوقية أخرى ، فلا يجب أن ننسى أن السلطة الأعلى للمسلمين السنة هو من رفض إلغاء الطلاق الشفهي، وهو من يرفض مساواة المرأة في حق الطلاق ( الخلع ليس مساواة في حق الطلاق ) ، ويرفض إلغاء قضايا النشوز .. إلخ ، لذا فإن الاحتفاء لابد أن يكون في إطار الترشيد و الفهم و ليس في إطار التشجيع المفرط.
6 ) إشكالية الحقوق و الحريات و المساواة لها شق آخر ، ألا وهو الشق سلطوي، وعادة تتحرج النسويات من الحديث فيه إلا القليل منهن.
7 ) لابد من التمييز بين " الخطاب الديني " و الفكر الديني " ، الخطاب الديني خطاب مؤسسي يخضع للمهادنة تارة و للهجوم تارة أخرى في إطار علاقته مع السلطة وما يتبعها من علاقة منفعية متبادلة . أما الفكر الديني فهو ما يشغلنا حقًا ، لأنه هو الفكر المستقل الذي يجعل كثير من الجماهير رافضة للخطاب الحقوقي النسوي أو أي خطاب حقوقي آخر، فالفكر الديني الأصولي في المجتمع والذي زحف كالسرطان على النخب المتعلمة من أطباء و مهندسيين و إعلاميين ، يشكل خطورة لا تقل عن الجماعات الدينية الأصولية ، وهو ما يجب أن يسترعى انتباهنا .

التعليقات