ميرا ماجد تكتب: من مجني عليها إلى جانية ظلماً

كلما نسمع أن مريض ما سيخضع الى عملية زرع تنقبض القلوب و نتوجس خشيةً من نتيجة العملية ذلك سواء أن كانت عملية زرع كبد، زرع أسنان ، زرع قرنية و غيرهم من عمليات تحديد مصير من يخضع اليها. لكن هناك عملية زرع لا تجرى داخل غرفية عمليات ولا على يد جراحين مختصين. "زرع ذاكرة كاذبة"، منذ عدة سنوات فوجيء المجتمع العلمي بالخبر الآتي ألا و هو أن هناك فريق من علماء معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا نجحوا في تكوين ذكريات مؤلمة داخل أدمغة مجموعة من الفئران جعلتهم يشعرون بالفزع تجاه اي شيء يتعلق بهذه الذكريات بالرغم من عدم حدوثها من الأساس. ببساطة، اي تلاعب يحدث في ذاكرة الانسان و الذي يؤدي الى اختلاق ذكريات هو لم يمر بها داخل دماغه، هذا يدعى زرع ذاكرة خاطئة و المعروفة ايضاً بالfalse memory .
قد يبدو في بداية التعراف على الأمر أنه مريباً او صادماً و لكن ما هو صادماً حقاً أن عملية زرع الذاكرة الكاذبة شائعة في مجتمعات عديدة ابرزها مجتمعنا المصري و لكن دون دراية حقيقية من قبل افراده. فمثلاً نرى منفذي هذه العملية في الشارع فور حدوث واقعة تحرش، في هؤلاء الناس الذين سرعان ما يحاوطون الفتاة المجني عليه و اذ بهم ينهالون عليها بوابل من الاقتراحات او تعليقات امثال "يا بنتي خلاص حرام دة شاب غلبان" "ايه لازمته القسم هوعملك ايه يعني؟!" "يا بنتي أنا عندي بنت زيك و محبلهاش الفضايح" “" و غير ذلك كثيراً. و بهذا يحاول هؤلاء تشكيك المجني عليها فيما حدث من خلال اثبات أنه لم يحدث اي شيء يستدعي تصعيد الأمر و بما أنهم يرون أنه "شاب غلبان" فكيف لهذا الشاب أنيتعرض لها بأذى حتى تتحول المجني عليها في ذاكرتها الى جانية مفترية. فبالتالي هؤلاء الناس يتسببوا في حدوث خلل للذكريات التي لدى المجني عليها عن الحادثة التي تعرضت لها. ايضاً نرى المزيد من منفذي تلك العملية في حالة تعرض بنت ما للتحرش، في بيتها حينما يحاولون افراد أسرتها اقناعها في أنها تبالغ و تضخم الأمور و أنه قطعاً لم يحدث كل ما روته عليهم من تفاصيل الواقعة و كأنهم هم الذين شهدوا الواقعة و ليس هي الضحية التي تم التحرش بها حتى ينجحوا في احياناً كثيرة في زرع أشياء كاذبة داخل ذاكرة ابنتهم فيحولونها مرة ثانية الى جانية لا مجني عليها .احياناً ايضاً يثنيها اهلها عن التحرك للحفاظ على حقها من خلال تحرير محضر بالواقعة او يجرموا سلوكها حينما تفصح عن الحادث و تندد به تضامناً مع مئات الألوف من بنات تعرضوا لوقائع تحرش بمختلف أنواعه حيث أن نتائج دراسة أجرتها مؤخراً هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، أظهرت أن حوالى 99% من النساء المصريات تعرضن لصورة ما من صور التحرش الجنسى.
نشر الصحفي العلمي روبرت شان في البي بي سي تقرير يحمل عنوان "هل غرس ذكريات كاذبة خلال العلاج النفسي أمر اخلاقي؟" يتضح من هذا المقال كم اثار هذ التساؤل جدل في عالم الطب النفسي. اشار شان الى بحث كان يهدف الى علاجاً خيالياً خضع اليه ألف شخصاً من المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية وذلك لعلاجهم من السمنة المفرطة من خلال زرع ذكريات كاذبة عن الطعام في طفولتهم لتغيير علاقتهم الغير صحية معهم. و لقد وافق 41 في المئة على العلاج بهذه الطريقة بينما عارض 48 في المئة. ايضاً من خلال تقرير البي بي سي، عرض شان مخاوف ناس و علماء اثارتها تلك الطريقة العلاجية و أسباب الخوف في مجملها تمثلت في أن زرع ذكريات كاذبة قد تظلم الشخص لأنه في ذلك تغيير جذري لهويته وقتل عمد لإرادته. فأليس هذا الذي يحدث بالفعل حينما نقنع الضحية التي تعرضت لواقعة تحرش و انتهاك معين لخصوصيتها أنها لم تتعرض لأذى، يستدعي المطالبة بحقها؟ّ!

التعليقات