فهيمة محمود: غشاء بكارة للبيع

غشاء بكارة للبيع.. تجربة غير شخصية في شهر آذار الماضي هاتفتني صديقتي متسائلة عن طبيب ثقة قادر على ترقيع غشاء بكارة صديقة لها سيتم زفافها بعد بضعة أشهر، وعادة عندما يسألني أحدهم عن شيء خاص بالمجال الطبي -كوني ممرضة سابقة- أجيبه بما لدي من معلومات. وهذه كانت المرة الأولى من نوعها، فطلبت منها مهلة ساعة أو أكثر لمعرفة طبيب مناسب للمساعدة.

بعد سؤال بعض صديقاتي والولوج لمحرك البحث جوجل علمت أن هناك أنواع مختلفة وخيارات متعددة لعمليات ترقيع غشاء البكارة فقد يكون الإجراء دائم أو مؤقت. ليزر وجراحي، وأولهم أثره الجراحي لا يدوم أكثر من إسبوعين من تاريخ إجراء العملية وهو الأفضل. ومن الممكن أن يقوم الطبيب بتضييق المهبل وشد الشفرات الداخلية بخيط تجميل قابل للذوبان أو خيط غير قابل للذوبان يتم فكه في أول زيارة للمتابعة بعد العملية، وتلك التفاصيل تختلف حسب الإمكانية المادية للفتاة. أما الأسعار فتتراوح بين٣ إلى ٧ آلاف جنيهًا مصريًا!

واصلت البحث حتى وجدت لدى إحدى صديقاتي عنوان وهاتف طبيب نقلته لصديقتي الأخرى مذيلًا بنصيحة شراء غشاء بكارة صيني بدلًا من العملية فهو سهل الإستخدام يوضع ليلة الزفاف ومتاح للشراء عبر التسوق الإلكتروني وسعره ١٥٠٠ جنيه وهو ثمن قليل مقارنة بالتدخل الجراحي.

كان الخوف هو سيد الموقف، فالفتاة فضلت الجراحة وقررت الذهاب لطبيب معروف بموافقته على إجراء عمليات الترقيع في عيادته الخاصة وقد كان، وانتهت القصة بزواجها وزغاريد من الأهل.

هذه حالة واحدة علمت فيها تفاصيل حادث فقدانها لغشاء البكارة، فلم تكن علاقة جنسية عابرة أو مداعبة بجسم صلب. كانت الفتاة ضحية إغتصاب وخافت أن تخبر أسرتها بأي شيء ووافقت على الزواج بعد رفض الكثيرين وبعد ضغط من أهلها وسؤالها الدائم عن خوفها من الزواج، فتحولت الفتاة من ضحية لفتاة قد ينظر لها المجتمع ويصفها بالعهر.

مجتمعات الخجل

في مجتمعاتنا العربية فقدان غشاء البكارة قد يعرض الفتاة للقتل حتى وإن تخطت الأربعين من عمرها وهي عذراء وعلم أحدهم أنها فقدته بإرادتها سيحاسبها الجميع وستكون مسبة لكل رجال العائلة وهم أنفسهم المهللين المكبرين لمَن يسافر شمالًا وجنوبًا ويمارس علاقات مع هذه وهذه ويتباهون به، ولكن للفتاة مقاييس وحسابات أخرى.

بالعودة إلى التاريخ نجد أن الهوس القديم للمجتمع الغربي والعربي تجاه العذرية كأثر ثقافي وكمرجع ديني، وخاصة في المجتمعات التي سميت باسم مجتمعات الخجل والذي يسبب فيها فقدان غشاء البكارة فضيحة للفتاة والعائل. فيما كانت تحتفي بعض الديانات القديمة بالعذراوات وتضمهم للمعبد أو لحاشية الملك الذي يُعامل كإله. على عكس المتعارف عليه من المغالاة والتقديس لهذا الغشاء ففي بعض المجتمعات الأخرى تُنبذ الفتاة العذراء لأنها لا تملك تجربة جنسية سابقة وينفر منها الشبان إلى أن تفقد عذريتها!

قانون القبيلة

حاولت بعض البلدان العربية وحسب معرفتي القليلة أن تونس قننت إجراء عمليات الترقيع، ولكن في مصر قد تتعرض الفتاة لمخاطر أثناء العملية كالنزيف والعدوى أو إنتهاك جنسي من طبيب لا يملك أخلاق مهنية وقد تواجه الموت من أجل الدفاع عن نفسها من موت آخر محتم إن علم أهلها.

واتساءل اليوم هل يمكننا المطالبة بوجود قانون يسمح بإجراء عمليات ترقيع غشاء البكارة في البلدان العربية التي قد تتعرض فيها الفتاة للقتل حال فقدانها هذا الشيء الذي يتراوح ثمنه بين ٨٣ إلى ٣٨٨ دولار فقط لا غير ؟! أم من العقل واليسر أن نُزيد ثقافتنا الجنسية والأخلاقية والإنسانية؛ ليعلم الجميع أن تلك الرقعة من الجسم لا تخبر عن أخلاق الفتاة وأن جسدها هي الوحيدة التي تملك حق التصرف فيه وأن الماضي لا يخص غير صاحبه، وأن الحاضر فقط هو الشيء الذي يمكننا التحدث بشأنه لنعيش مستقبلنا في مودة ورحمة وكثير من الإحترام ؟

 

دكة العبيد

إوكما تسابق العرب على الفوز به في قديمًا حيث كانت الأسواق تمتليء بالجواري ويقف التاجر؛ ليصف مميزات بضاعته :- جارية صغيرة السن شعرها كذا وعنقها كذا وجسدها كذا .. إلى آخره وكان لكل فئة النوع المفضل لها وبالطبع العذراء هي الأطيب والأعلى سعرًا بين قريناتها.

وكما انتشرت أسواق العبيد في بلاد العرب ظهرت أسواق النخاسة في الغرب ولعل أحدكم شاهد فيلم Memories of Geisha وهو فيلم صدر عام ٢٠٠٥ للمخرج روب مارشال عن رواية لآرثر غولدن التي تحمل نفس الاسم لفيلم إعترافات غايشا، وفيه تباع عذرية الفتاة في مزاد يحضره شخصيات رفيعة من المجتمع الياباني.

وعلى ذكر هذا المزاد كانت أغلى الأسعار للجواري يذهب لنصيب العذراوات الشقراوات الأوربيات في العصر العثماني وأرخصهن السود الأفارقة وذوي العاهات، وحسب ما خطه رينولد شيفر في كتاب (بانوراما شرقية، رحالة إنجليز في تركيا) تم بيع شركسية عذراء بمبلغ ١٥٠٠ دولار.

غشاء البكارة والمجتمع

رغم عدم وجود وثائق تفيد في رؤية العدد الحقيقي لعمليات ترقيع غشاء البكارة أو الإغتصاب والتحرش - اعتمدت في بحثي على اللغة العربية والمواقع العربية فقط، وذلك لعيش تجربة بحث شخص عربي عن معلومات تفيده بهذا الصدد - إلا أن المجتمع يهتم بهذه الرقعة حد قتل الفتاة التي فقدتها. فنجد أن مفتي الديار المصرية السابق الشيخ علي جمعة يصرح لبرنامج مصري بالآتي "الدين الإسلامي يدعو إلى الستر. وإذا كان إجراء الفتاة، التي فقدت عذريتها لأي سبب كان، لعملية ترقيع غشاء البكارة سيؤدي إلى سترها، فإن الإسلام يبيح ذلك".

ويهتم المجتمع منذ ولادة الطفلة بالحفاظ على براءتها وجعلها زوجة تطيع زوجها وتنجب الأطفال، فيقومون بختانها وإدخالها المطبخ لتعلم كل شيء من والدتها. ويزرعون داخلها رهاب ركوب العجل أو اللعب العنيف أو مداعبة جسدها أو التعرف على شاب أو مقابلة الغرباء ويصبح الخوف الأكبر هو فقدان بكارتها قبل الزواج. ولهذا نجد أن الفتاة ترى ليلة زفافها هي الليلة الأكثر رعبًا في حياتها.

معايير مزدوجة

يختلف الموقف للعائلة الواحدة إن علموا أن فتاهم أقام علاقة مع فتاة، ستعنفه أمه قليلًا أو يضحك أبيه غامزًا إياه ولكن لو فعلت الفتاة نفس فعلته فهي عاهرة ولن تخرج من المنزل حتى موتها وستكون ملعونة أبد الدهر رغم أن الله يغفر! ولكن عباده لا يغفرون.

ويتعاطف المجتمع مع الفتاة التي تعرضت لسرقة بالإكراه، ولا يغفر أو يتسامح أبدًا مع فتاة تعرضت للتحرش أو الإغتصاب ورغم انتشار تلك الحوادث حولنا فإن مؤسسات الدولة لا تملك رقمًا صحيحًا عن عدد الضحايا وبعد بحث فقدت فيه أمل الحصول على معلومات موثقة كان الرقم الذي وجدته مسجلًا عن عدد القضايا المبلغ عنها في مصر للتحرش والإغتصاب حسب تقرير أجراه المركز القومي للبحوث الإجتماعية ٥٢ ألف قضية، أي بمعدل ١٤٠ قضية اغتصاب وتحرش يوميًا!

وهذا عن عام ٢٠٠٦ ولم أجد بحث مدني أو حكومي لوقتنا الحالي! الشيء المخجل أن الرقم الحقيقي للتحرش والإغتصاب أكبر لأن كثير من الحالات لا يتم التبليغ عنها بسبب خوف الفتاة أو رفض الأهل واللوم الذي تتعرض له. تتعرض الفتيات أيضًا للتهديد حال إتخاذهن خطوات قانونية لمقاضاة المتحرش أو المغتصب مثل حادثة فتاة المول الشهيرة بمصر.

وفى حال صمت الفتاة بعد حالات الاغتصاب تلجأ لإنقاذ نفسها بشراء غشاء البكارة أو الذهاب لأحد الأطباء وإجراء عملية ترقيع لتنزف نقاط دم قليلة تشعر الزوج بالرضا عن اختياره السليم وهو ما يكشف لنا كم الجهل الجنسي لدى المجتمع، والذي يعكسه عدد القضايا التي يقتل فيها زوج زوجته بعد زفافهما بعدة ساعات بسبب شكه في سلوكها أو عدم عذريتها.

ويحالفني الحظ قليلًا عندما أقرأ مقال أو بوست قصير يخبر عن قصة فلانة اللي حبسها والدها بعد اغتصابها أو تعرضها للتحرش، والكثير من الحكايات اللي سمعتها عن فتيات فقدن غشاء بكارتهن بعد إغتصاب أحد الأقارب من الدرجة الأولى أو الثانية لهن، ويقابلها حالة إنكار ورفض للحادثة أو قد يصل الأمر لقتل الضحية -الفتاة- ويستمر المجتمع في عدم الإعتراف بوجود مشكلة حقيقية علينا مواجهتها، والبحث عن الرقم الحقيقي لتلك الأفعال.

وأتساءل أخيرًا كيف يمكن لنفس الشاب أن يهرول خلف فتاة تحمل جنسية غير عربية وهو يعلم عدد علاقاتها السابقة ولا يجرؤ على محاسبتها أو سؤالها وهو الرافض بشكل قاطع الزواج من فتاة فقدت غشاء بكارتها بصورة نحن لسنا أهل لمحاسبتها عليها أو معرفة أسبابها؟!

التعليقات