أية عصام تكتب: هل قام المجتمع الأبوي بتدجين النساء؟

منذ ما يقرب من السنة، جمعتنى جلسة مع رجل اعتاد خيانة زوجته، وحينما سألته كيف ستشعر إذا خانتك زوجتك؟، قال لي جازمًا أن طبيعة المرأة هي أنقي وأطهر وأن النساء بفطرتهن يكتفين برجل واحد، بينما الرجال لا يكتفين بامرأة واحدة، وأنه يجب على النساء أن يدركن هذا الأمر ويدركن طبيعة الرجال والنساء المختلفة من الناحية الاجتماعية والجنسية.

ومنذ عدة أعوام ارتبطت برجل، كان يصاب بالغضب الشديد، إذا ما طرحت فكرة أن النساء يخن أيضًا كالرجال، كان يري في هذا ليس اقرارًا للواقع، وإنما تأييدا لفكرة الخيانة واستعدادًا مني للخيانة بوصفها مقبولة.

بينما كان الرجل نفسه لا يبالي عندما يخون أصدقائه زوجاتهن، في موقف إزداوجي واضح تجاه نفس الفعل ولكنه مبني على أساس النوع الاجتماعي وليس الفعل نفسه. مما دفعني للتساؤل، هل قام المجتمع بتدجين النساء حتى أصبح من الصعب على الرجال حتى التخيل أن النساء يخن أيضًا؟.

والتدجين هو مصلح يعبر عن تطويع وتلين الطباع البشرية وإخضاعها، لجلعها تقبل أشكالا مختلفة من القمع، السياسي على سبيل المثال لقبول الاستبداد في الأنظمة الديكتاتورية، أو حتى الاجتماعي لتقبل فكرة العبودية.

وفي هذا المقال نستخدمه من ناحية تدجين النساء، حيث تعتمد فكرة التدجين على تقييم وتبجيل الطاعة على أنها الحالة المثالية وتضع الفكر النقدي موضع الفكر الهدام.

هذه الفكرة ليست منفصلة عن السياقات الاجتماعية، ولها علاقة مباشرة بتحديد علاقات القوي بين الرجال والنساء، فأطلت علينا نظريات ومقولات حول ترتيبات أولويات المرأة في حياتها، بداية من أن "النجاح في نظر الرجال هو المكانة المرموقة وفي نظر النساء هو امتلاك قلب الرجل"، ومرورًا بـ"مكان المرأة بيت زوجها أو أبوها ومكان الرجل الشارع والعمل"، في تدجين واضح لها بالبقاء في البيت وانتظار الرجل، ثم يعتمدون نظريات نفسية عفا عليها الزمن، بداية من أن المرأة هي "رجل مخصي" أو تمثل أزمتها الأساسية في "حسد القضيب" وانتهاءًا بطبيعة المرأة ووفائها لرجل واحد، والذى اعتمد من قبل المجتمع الذكوري تدجينًا للنساء، فالنساء لا تخون ولا ترغب في رجل غير زوجها وإخلاصها الجنسي للرجل فطري!

واعتمد الأمر، اجتماعيًا، على مستويات عديدة بداية من التعامل والقبول الاجتماعي لخيانة الرجل الذى يذهب في بعض الأحيان إلى وضع المبررات ولوم النساء على خيانة أزواجهن لهن ونصحهن بالمزيد من "الهئ والمئ" ليبقي زوجها بجوارها.

"التشنيع والعقاب والوصم لخيانة المرأة"، مستوى أخر رسخت له الدولة عن طريق القوانين، فيكون الأثر القانوني لخيانة الزوجة، هو سقوط كل حقوقها ومن ضمنها سقوط حقها في حضانة أطفالها، وإذا ضبط الزوج زوجته مع عشيقها وقتلهما، تخفف له عقوبة القتل حيث تصل عقوبته إلى الحبس من سنة إلى 3 سنوات، وهذه هي المادة الوحيدة التى تنص على عقوبة مخففة في جريمة القتل، نظرًا للظروف النفسية التى يمر بها الزوج.

أما الزوج الذى يثبت عليه جريمة الزنا، فتسطيع الزوجة رفع دعوى طلب طلاق للضرر فقط، وإذا ضبطت الزوجة زوجها مع عشيقته وقتلته، فيحكم عليها بالإعدام، قتل مع سبق الإصرار والترصد. في إشاره إلى أنه لا تسامح مع الخائنات النساء، بينما الخائنون الذكور فهذه هي طبيتعهم.

ويبدو أن الرجال بشكل ضمني وعلني استقروا على خصائص محددة لما يرونه ويريدونه في طبيعة المرأة الجنسية، بداية من تختين النساء للتحكم في شهوتهن الجنسية منذ سن صغيرة وتدمير أعضائهن الجنسية، لمنعهن من إتباع طريق الشهوات الجنسية والتحكم في غرائزهن في الصغر وفي الكبر فبعض الأزواج يطالبون زواجاتهن غير المختنات بالختان حتى تناسب رغباتهن الجنسية مقدار رغبة ازواجهن بلا زيادة، وهنا نطرح سؤال هل يعمد المجتمع الأبوي إلى تحديد رغبة النساء بختانهن في مستوى معين "بلا زيادة ولا نقصان" لتناسب رغبة الرجل؟.

وقام المجتمع وفقًا لسلطته الأبوية، بفرض رغباته الجنسية في النساء في صورة نمطية محددة، من كل النواحي الجسدية الممكنة، ناحية الوزن وشكل الجسم المناسب وطبيعة الشعر ولونه، واحتفلت صناعة التجميل بشعر الجسد الحليق والملمس الناعم للنساء اللواتي تم تخلصيهن من شعر الجسد، حتى أن أغلب إعلانات الحلاقة قد استخدمت صور للسيدات بلا شعر أصلا من بداية الإعلان، وكأن العالم يتظاهر بأن ليس للنساء شعر جسد.. لكنه موجود لقد تحققت من ذلك بنفسي!.

ففي كل يوم، يقوم المجتمع بتجنيس النساء كسعلة، فالبعض يطالبون بتغطيتنا تحت الحجاب والعباءات الفضفاضة والبعض يطالبون بتعريتنا والبعض يقطعون أعضائنا الجنسية وأخرون يحددون لنا شكلا وهيئة، وفوق كل هذا وذاك يحددون طبيعية المرأة الجنسية ويربطونها بالاخلاص الجنسي للرجل.

كل هذا انعكس اجتماعيًا، فبدأت ظواهر مثل body shaming  والـ slut shaming وختان النساء، ومن ثم تهديدهن ووصمهن إذا اخترن اختيارات مختلفة، في الأماكن العامة والخاصة وعلى مساحات الانترنت.

الـslut shaming، هو وصم النساء بالعهر، إذا ما اشتبكن مع سلوك أو مظهر أو فكرة ينظر إليها على أنها منحلة أو مثيرة للجنس، أو خارج إطار الجنس المقبول اجتماعيًا.

أما الـ body shaming يقصد به ممارسة إهانة وانتقاد النساء من خلال تعليقات ساخطة وناقدة حول أجسادهن من ناحية الشكل والحجم.

الواقع الذى يجهله هؤلاء الرجال، هو أن النساء مختلفات بينهن، في اشكالهن وطبيعتهن الجنسية وفي اولوياتهن، النساء تشعرن بالملل وبالرغبة كما يشعر الرجال فللمفاجأة لدينا هرمونات أيضًا. فالرغبة الجنسية فطرية بينما الفعل اختيار!
ولذلك ربما إذا قررتم وضع نظريات عن النساء، ربما على سبيل التغيير تستعينون بالنساء أنفسهم ولكني اعتقد أن الهدف الأصلي كان تجنيسهن وتدجينهن جنسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا ايضًا وليس وضعهن في الاعتبار.

تم بناء هذه الجوانب النفسية والاجتماعية والقانونية، من خلال الأنظمة الأبوية المتعاقبة. كل هذا خلق وعي جمعي محدد تبناه كلا من الرجال والنساء خلال حياتهم من خلال الأنظمة الاجتماعية والسياسية، حول "النساء" وحول "الهوية" من النواحي المختلفة؛ الأمر الذي ادي الي وصم ونبذ أصحاب الأفكار أو الهويات المختلفة. الأمر الذي يحتاج منا العمل علي طرح سؤال.. هل ما اوهمونا أنه صحيح، أهو صحيح لنا أم لهم؟.

التعليقات