حنين طارق تكتب: رسائل غير مرسلة (9)

كم من الوقت عليّ أن أغيب حتى تشتاق إلي؟ حتى تشعر بأن مكانِ خالٍ؟ وأنك عليك البحث عني وتسكنني أحضانك من جديد؟ كم من الوقت عليَ أن أتحمل برد الملل وقساوة الأيام؟ متى تدرك أنك لست بخير من دونِي؟

لا أخاف الوحدة ولا قلة الأصدقاء، الظلام صديقي والوحوش تؤنسني كل مساء، أخاف غيابك فقط، يرهقني ويدمي قلبي يزرع داخلي الأسئلة والشكوك التى لا تنتهي إلا بعودتك، ثم تعود مجددًا بغيابك، بعد لحظات من النشوة أغرق في بئر التيه.

لما ابتعد؟ لمَا يعود؟ هل يحبني؟ هل أخطأت في حقه؟ لم يمثل القسوة على الدوام؟ لما يتلذذ بجروحي؟ أسئلة بلا نهاية حتى أنت لا تعرف إجاباتها ولن تعرفها يوما.

أعيش حياتي كلها محملة بالقلق أعبئه في أكياس كبيرة، وأحمله على ظهري أينما ذهبت والخوف وحشٌ أغذيه لينمو داخلي ليبتلعني، أعيش على أطراف أصابعي خوفا من الخطأ، وخوفا على الآخرين، الشيء الوحيد الذي أؤمن به حد العبادة هو قدرتي على إفساد الأمور، كل الأمور حتى تلك البعيدة عني تماما.

حين أغسل الثياب أنظر خمس مرات لزجاجة المبيض لأتأكد أنها خاصة بالملابس الملونة، وأنني لن أنزع الألوان عن ملابس أمي وإخوتي وفي كل مرة أنسى تماما أن أمي لم تشتر مبيض الملابس البيضاء يوما في حياتها.

وهكذا هي كل حياتي، أنظر لكل شيء خمسة مرات وأصافح الناس برفق خشية كسرهم، حتى أنت لا أطيل النظر إليك خوفًا من أن يحرقك لهيب حبيِ.

هذا القيد نيران تحرق روحي وتضعني على حافة الأشياء بشكل مخزي، يمسي كل شيء ناقصا حتى الفرح بلا معنى، ربما أحتاج قلبا آخر، قلبا أهدئ، فبينما لا أتحرك من مكاني يستمر قلبي في الركض طول الوقت وراء شيء لا أعرف كنهه، وبينما تمضي الحياة الرتيبة أحاول العيش مع تلك الصراعات، لا شك أن الحياة صعبة لا سيما وأنا أحاول السير أمام الناس بخنجرين في قلبي أولهما الألم وثانيهما أنت.

متى يذوب الخوف؟ حين يريد؟ حين اُريد؟ أم حين تأتي؟

أذهب كل يوم إلى محطة القطار وأنتظر على الرصيف أقول لنفسي سأركب أي واحدٍ فيهم علك تكون على متنه، وينتهي اليوم، وتفوت كل القطارات ــ من بينهم قطارك ــ خشية ألا أجدك على القطار الذي سأستقله.

التعليقات