هايدي النشرتي تكتب: بلال

بالأمس كنت كمن كان يحارب في معركة فائزة ولكنه خسر بسهولة، هكذا تمضي أيامي وقرارتي الخاطئة, مشاهدتي للحياتي وحياة الاخرين جعلتني أتيقن أن ربما يكون العالم الآخر أحسن بالنسبة لي, في الأول تم تشخيصي باكتئاب حاد وثم رفضت تعاطي تلك الادوية، حتى أصبحت جزء مني لا أتخلى عنه رغم كرهي له والكثير مثله، رتبت أموري ووضعت الحبل فوق الشباك وربطه جيدا وثم وضعت الكرسي ووقفت عليه وكعادتي للقرارات الخاطئة تراجعت عن الأمر وخرجت إلى شارع لاستنشاق الهواء ويا للعجب بعد أن كنت فكرت في الانتحار .... فقررت الذهاب إلى مسرحية كانت صديقة قد قالت لي عليها.

المسرح كان خاليا من الجمهور... لم أشعر بيه ربما لتفكيري في أشياء أخرى.. كنت فاقد الاحساس من المحتمل القصة لم تكن كاملة, خرجت من نصفها قررت أن أصاحب نفسي وأتجول في شوارع وسط البلد.. جاءني الحنين الي أن أدخن سيجارة بعد هذا الوقت, أذهبت إلى قهوة الحرية فوجدتني أقف امامها و كأن قدمي تحفظ الطريق جيدا، دخلت وجلست على الطاولة ، رائحة السجاير كانت تملئ الهواء ونظرت حولي أحاول أن أتعرف على الوجوه بالتأكيد تغيرت فقد تركت هنا من أكثر من خمس سنين ومن ثم رأيت عم الميلاد القهوجي "ده راجل سكرة" ..... حاولت أن أدركه بنظري حتي وجدته ينظر.....

(بلال باشا فينك من زمان. عامل إيه وإيه أحوالك)

(الدنيا ماشية يا ميلاد أخبارك وأخبار القهوة إيه)

(آه الرزق ماشي)

(إيه مفيش حد من الشلة بيجي ولا إيه)

(ياه يا أستاذ بلال دول بقالهم أكتر من تلات سنين من يوم الخناقة مشقتش حد منهم)

في اندهاش (خناقة إيه يا عم ميلاد)

(دي كانت خناقة كبيرة و ناس كتير تعورت حتي أنا مسلمتش منها، دول كانوا هيكسروا القهوة كلها.....سترها ربنا)...

.(حد جراله حاجة )

(الأستاذ محمود ده راسه تفتحت والتاني الطويل ده كان تقريبا اسمه مدحت رجله انكسرت... بس من ساعتها محدش بيجي)

سألني ميلاد إذا كنت سوف اشرب مشروبي المعتاد ولكني لم أكن أنوي و طلبت فنجان قهوة، بعض دقائق جاءني بفنجان القهوة.

(متعرفش الي حصل لصحبتك الي كانت دايما بتعقد معاكوا هنا .... كان تقريبا اسمها سلمي) ...

...فاستغربت وسألته هل هناك شئ حدث.....

قال لا تشغل بالك لا شيء

(بس يا بلال أن هروح أشوف الشغل لو عايز أي حاجة إنده عليا)

فابتسمت وهززت راسي ....

أخذتني الذكريات إلى احداث كنت افتكرت أن البعد عنها انساني إياها، حب حياتي كان أجمل شيء  حدث لي ، زرع عم ميلاد فيا الشك عندما سأل عليها!!!!

كنا صغار، كان كل شيء جميل عندما أانظر الي عينيها، أتذكر آخر مرة قابلتها عندما أبلغتها إني مسافر من غير عودة، وإني أريد أن أنسي، أتذكر عيناها التي كانت تلمعان حابستان للدموع..

على أن أسأل عم ميلاد عم ماذا قصد عندما سأل عليها.

تركت ميلاد وذهبت لأتجول في الشوارع بعد ليلة كنت أتوقع أان تكون جميلة بدأت بمسرحية عديمة القصة وانتهت بأشياء أخذت تفكيري....

علي أن أذهب إلى خليل الآن لأعرف ما قصة هذه الخناقة التي حكاها لي ميلاد.

فخليل يسكن علي ناصية ميدان طلعت الحرب, عقار قديم الذي يشعرك بعمق الزمان، نظرت إلى اسانسير الذي طالما لم أحبه فذهبت إلى السلالم ووقفت أمام باب الشقة، فكرت هل أرن الجرس أم أذهب ؟ هل سيعاتبني بعد  كل هذه الفترة، أم سيرحب بي ويقول لي كم أن الوحشة صعبة، ثم قررت ان أرن الجرس، مرة وثم مرتين، فتحت جارته العجوز بابها وقالت (مين)

مساء الخير يا حاجة أنا صاحب خليل وبخبط علي باب هو مش هنا ولا إيه)

(لا يا بني خليل الله يرحمه من زمان يجي أكتر من اربع سنين. بس أنت مين يا بني)

(أنا صحبه من زمان بس كنت مسافر بقالي كتير)

(أنت اسمك ايه)

(بلال يا حاجة)

(عرفتك كان خليل زمان زعلان عشان أنت سافرت وسبت البلد وسبته)

اتفضل معايا يابني وأنا احكي لك على كل حاجة.....

جلست أفكر يا تري إيه الحصل  حسيت زي ما يكون في جبل نزل عليا، خليل مات مش قادر أصدق حسيت نفسي بترعش من الصدمة.......استرجعت الليلة من أولها....المسرح .....عم ميلاد  ...خليل..... العجوز.... سلمي.... الخناقة....كوباية الشاي...... طفيت السيجارة قبل ما أدخل...... جلست في الصالون كده من بتاع زمان فخامة، عتيق اللون والشكل..... دقائق، ودخلت الخادمة بكوباية الشاي والطفاية........ جاءت الحاجة من الغرفة المجاورة للصالون ومعها شنطة سوداء اللون

بس بقي يا بلال يا بني أنا هحكيلك علي الي حصل ساعتها, بس أنت إزاي متعرفش ده انتوا عشرة عمر معقول مسألتش عليه من أكتر من خمس سنين, الشنطة دي فيها كل حاجة عرفت اخدها من شقة خليل قبل ما ترجع لصاحب العمارة. فيها صور كتير ليكم ومعاكم بنت كده زي القمر وكتب وحاجات هو كان كاتبها، أنا شلتها عندي و قولت يمكن حد يجي يسال عليه

اخدتها منها، يا تري خليل كان كاتب ايه!!!!!

بس يا بني يوميها بليل سمعنا أنا وجوزي الله يرحمه خناقة جامدة في بيت خليل, فطلع جوزي يشوف في إيه وبعد كده شوية سمعنا صوت جامد زي ما يكون في ضرب نار ..فضل جوزي والجيران يخبطوا علي الباب لحد ما كسروا... لقوا  خليل مضروب بالنار حاولوا يسعفوا لكن قدر ربنا كان وصل, الله يا رحمه كان زي ابني وأكتر

بعدين يا حاجة عرفوا مين كان معه في الشقة.

جاه البوليس وحاولوا يعرفوا.. موصلوش لحاجة.. بس كده من ساعتها والحاجات دي معايا

طب يا حاجة استأذن أنا.. شكرا علي كوباية الشاي

وصلت للباب وشعرت بدوشة في دماغي, وفجأة كان هناك من أمسك بمطرقة وضربني على راسي!!!

-إيه ده أنا فين  (خليل)!!!!!!!....

- خليل أنت سامعني..... أنا بلال.. أنت مش شيفني ولا إيه... أنا فين ايه ده سلمي كمان هنا.

في إيه يا بلال مالك ماناهنا من الصبح بتزعق ليه.

افتكرتك مش سامعني أومال سلمي فين...... جاييه لحبيب القلب دلوقتي

إيه يا عم بلال ده أنت لسه واصل تلحق  تتعب كده من الأول ...طب أنت ربنا بيحبك طلعت علي طول علي هنا. حمد الله علي سلامة كنت واحشنا اوي .

- متحاولش يا بلال تنزل تاني خلاص خلصنا من الدنيا دي, لازم تتقبل بقي إن حنا انقطعت صلاتنا بكل حاجة في الدنيا.

غرفة الانعاش في القصرالعيني في محاولة لجعل بلال  يفوق.... مات بلال بعد ليلة  غريبة ... المسرح....عم ميلاد ....القهوة...سلمى حب حياته......الشلة.....السيجارة ....خليل.... العجوز....كوبية الشاي.....شارع وسط البلد.....

ذهب بلال إلى خليل وسلمى الذي لم يقتنع يوما أنهم ماتوا وتركوه وحيدا .... حاول أن يتناسى كل شيء ....مات بلال الذي لولا أنه متردد دائما كان انتحر .... لم يكن يعرف أن للأقدار ساعات محددة لا يستطيع الإنسان أن يلعب به.

التعليقات