هناء نور تكتب: ضجيج

تسير منهكة.. تفاجئها سيارة مسرعة بإتجاهها من الأمام.. كادت تقتلها لولا أنها قفزت بعيدا في الوقت المناسب.

هرولت مسرعة، لاحقتها السيارة من الخلف. ركضت بفزع.. والسيارة مستمرة في المطاردة.. استطاعت أن تنفذ بعد مشقة إلى طريق آخر.

سيارة أخرى جاءت مسرعة من الأمام كادت تصدمها.. اتبعت نفس الخطوات السابقة.. الطرق تتكاثر والسيارات المهاجمة تتكاثر متبعة أسلوب السير عكس اتجاه الطريق.

انهارت من فرط الهروب.. حتى سقطت مغشيًا عليها في منتصف أحد الشوارع.

استيقظت شبه منهارة في مستشفى. رأت بالغرفة وخارجها عددا كبيرا من الغرباء، ومحقق!

سألها المحقق دون انتظار أن تفيق تماما.

- هل تعلمين حجم الكوارث التي تسببت بها من وراء تلك الأفعال الصبيانية؟!

نظرت له ببراءة وذهول

هتفت امرأة ضخمة الجثة وهي تلهث بانفعال:

- قلت لك أكثر من مرة كانت تهرب من سيارة تريد أن تقتلها.. ابحثوا عن تلك السيارة واقبضوا على صاحبها

- ما رقم السيارة؟

- سيارة صفراء هذا كل ما أعرفه

نظرت الفتاة نحو بلوزة المرأة صفراء اللون متسائلة في نفسها ترى من تلك السيدة ولم تدافع عني بهذا الحماس!

سأل المحقق الجميع

- هل ثمة سيارة صفراء كانت تلاحقها بالفعل

أشارت ذات البلوزة الصفراء لرجل بجانبها بتوسل كي يردد ما قالته

قال الرجل

- نعم؛ ثمة سيارة صفراء كادت تودي بحياتها لولا عناية الله

قال الطبيب: رجاء يكفي هذا القدر.. المريضة منهكة عصبيا.. وبحاجة إلى طبيب نفسي.

هتفت ذات البلوزة الصفراء

أعرف طبيبا نفسيا جيدا

في عيادة الطبيب النفسي قالت الفتاة:

- أريد شيزلونج كالذي أراه في الأفلام

- يوجد في الغرفة الأخرى سرير، أستخدمه أحيانا للهروب

قالت باستهانة:

- ومما تهرب أنت!

تجاهل السؤال قائلا:

- أرجو أن يكون السرير مريحا

هزت كتفيها قائلة ببرود

- ربما

ساعدها للاسترخاء على السرير.. قالت بصوت ضعيف لكنه حاسم:

- لا تنتظر أن أحكي

- لا تفعلي ما لا تريدين فعله

- ماذا؟!

- لا تفعلي ما لا تريدين فعله

- هل بإمكانك أن تكررها مرات أخرى أو مرة واحدة

- ربما أسمعك ما هو أجمل..

مطت شفتيها باستهانة

قال:

- الآن اعتبري هذه الغرفة لك.. لك تماما.. سأخرج أنا وافعلي ما تشائين. تحدثي بصوت هادئ.. اصرخي.. اضحكي.. ابكي.. لك كل ما تريدينه...

- هل تعالج كل مرضاك بهذه الطريقة!

- أنت أول من يطرق باب هذه العيادة

- إذن من الذين تعالجهم هنا؟!

التزم الصمت قليلا ثم قال:

- الآن اعتني بنفسك.. أمسك بسماعة رأس أنيقة قائلا.. سأتركك الآن مع موسيقا "موتسارت".. أظن أنها من أجمل الأشياء.

وضع السماعة حول أذنيها ثم خرج مغلقا الباب خلفه

مرت لحظات طويلة من الصمت.. ثم بدأ بكاء تدريجي.. تصاعد حتى بلغ ذروته:

يا الله.. أنا منهكة جدا.. أكره بيتي.. أكره عملي.. لم تطاردني سيارة واحدة.. أعرف أن سيارة لم تهاجمني. إنها كوابيس اليقظة في عز الظهيرة.. بدت لي حقيقة مفجعة. ماذا لو تكرر الأمر!

أكره هذه البلاد.. أحلم بهجرة ولو غير شرعية.. يا الله.. يا الله

هكذا أخذت الكلمات تخرج مندفعة بلا ترتيب مفعمة بالانكسار والاستغاثة .. ثم بدأت نوبة بكاء أخرى وصلت إلى حد الصراخ.. ومحاولة تمزيق ملاءة السرير.. وإلقاء المخدات بعنف على الأرض.....

في صباح اليوم التالي.. كانت تركض بحماس نحو الباص الخاص بالعمل.

التعليقات